الأهلي والزمالك وفكرة الشنطة فيها كتاب دين

في الطفولة كان صديقان في المرحلة الابتدائية دائمًا ما يتشاكسا مع بعضهما، الأراء مختلفة، والميول ليست واحدة؛ لكنهما أصدقاء، كان الأول أصغر من الثاني بأشهر قليلة، ودائم الاستفزاز له، والآخر يرى أنه الأكبر ويجب احترامه؛ كان الصغير يتطاول على الكبير ويقذفه بـ"الشنطة" أو يضربه بها، ويطيح بـ"شنطة" صديقه على الأرض، فيتلقفها الصديق الأكبر ويبدأ الرد على صديقه الكلمة بالكلمة والحرف بالحرف والسب بالسب؛ وعندما يبدأ في الهجوم عليه ويتأهب لكي يطيح "شنطته" كما فعل هو؛ يبادر الأصغر بالقول "الشنطة فيها كتاب دين" ليحتمي بكتاب الدين من الهجوم عليه.
مرت الأيام وكبر الاثنان، صار الصديق الأول زملكاويًا والآخر أهلاويًا؛ مارس الأول هواياته وأشاد بالزمالك وصولاته وجولاته وشرف الفوز بمبارياته، وشكك في بطولات الأهلي وجماهيرته ووعي محبيه وعاشقيه والذمم المالية لإدارته ورموزه، ومع كل انكسار للأبيض أمام الحمر يزداد الحقد وتعلو نبرة الطعن في عرق ومجهود منظومته، وتعلو شماعة الإخفاق لتضم (التحكيم والدولة والأمن والشارع والفساد والمؤامرة والاضطهاد و...إلخ).
ومع ظهور لاعب مغمور "ذو موهبة كروية" وتوقيعه للأهلي، ثم يغير مساره للحاق بالزمالك ويظن أنه صانع المجد و"صلاح الدين" الذي سيفتح بيت المقدس، فتزداد الهزام وتتسع رقعة الانكسارات أكثر وأكثر، ويبدأ في توزيع الحقد والكراهية على جماهير الزمالك، ومع كل مباراة يقترب فيها من الفوز ببطولة لا يهتف لفريقه؛ بل يسب الأهلي وجماهيره ورموزه وإدارته، فيبدي الصديق الأصغر إعجابه بكل تصرفات هذا اللاعب، ويبدأ الدفاع عنه، ويقدم التبريرات الواهية له ولفشله المتتالي، ويقسم المجتمع تقسيمات طبقية أو عنصرية؛ وهنا يظهر الصديق "الأهلاوي" ليرد الكلمة بالكلمة والحرف بالحرف و السب بالسب؛ ويتصدي للاعب المنفلت بطريقة طبقية أو عنصرية؛ لكن صديقه يعاود الكرَّة ويردد شعارات مناسبة للعصر بأنه يرفض "التنمر" على لاعب فريقه ويدعو إلى مكارم الأخلاق، في حين أنه يتنمر على كل لاعبي فريق الأهلي ومجلس إدارته وجمهوره وكامل منظومته أناء الليل وأطراف النهار، وعندما وجد الأمر يتعلق بلاعب واحد - فقط - في فريقه؛ وليس الفريق بمنظومته؛ ها هو يصيح من جديد بعبارة "الشنطة فيها كتاب دين" ولكن في ثوبها العصري المسمى "التنمر".
بالتأكيد ليست كل جموع الجماهير سواء الأهلي او الزمالك كالصديقين؛ فالغالب أن السواد الأعظم من جمهور الكرة في مصر متصالح مع نفسه، وأن الصديقين مجرد نماذج موجودة بالفعل؛ ولو أراد الصديقان تطهير المجتمع والدعوة لمكارم الأخلاق كما يدعيا، فليس الغيث بالدفاع عن لاعب فاشل سىء الخلق والانبراء لبيان طيبته وحسن نيته؛ إنما أول ما يمكن البدء به هو بتر الأفكار الشاذة، ونبذ هؤلاء اللاعبين وأمثالهم من كلا الفريقين، وأن تكون الرمزية والأسطورة في الكرة للاعبين امتازوا بسمات الأخلاق والمبادى مع هامش جيد من الموهبة، لأن ذلك سينعكس على أبنائهما وعلى الأجيال الجديدة كلها.
للتواصل مع الكاتب:
[email protected]